قصة يوهان...فلسفة لص ( الجزء الرابع )

كانت الخطوة الأولى بالنسبة ليوهان الأصعب...عليه اختراق مجتمع جديد...مجتمع لم يألفه...و أصعب ما في الأمر هو اقتناع هذا المجتمع بأن يوهان واحد منهم ، و الغريب أن يوهان بقي محتفظا بإسمه...أفضل مكان لخلق صداقات مع حمقى الأغنياء هو الملاهي الليلية التي تختص بتنظيم ألعاب القمار...تلك الطاولات الخشبية التي تحمل فوقها الملايير في كل ليلة...قضى يوهان معظم يومه نائما...لم تكن عادته...و قد أخفق قرابة الساعتين و هو يحاول النوم دون جدوى...إستيقظ على الخامسة مساءا...لقد حان وقت العمل...ارتدى بدلته الجديدة...قميصه الأبيض الناصع البياض...لقد استعمل لأول مرة في حياته هلاما للشعر...لفد بدى وسيما بعض الشيء...كما أنه أحب شكله لأول مرة...بل و لم يلتفت حتى ليده المشلولة التي لطالما أشعرته بالتعاسة ، كان الملهى الليلي بعيدا عن المدينة التي يسكنها يوهان و لهذا كان مضطرا لأن يستقل سيارة للأجرة...و عند وصوله بحث عن مطعم قريب...يجب أن يكون المطعم خاصا بالطبقة التي كان يريد الإندماج فيها...ذالك النوع من المطاعم الهادئة و المملة و الذي يفوق عدد النادلات فيها عدد الزبائن!!! كان ذالك جزءا من الخطة... يريد أن يلاحظه أحد مرتادي الملهى في المطعم قبل دخوله للملهى...طلب طبقا زهيد القيمة و بقي ينتظر...إنها ساعات النهار الأخيرة...و مع أن يوهان سعى لأن يتصرف كشخص من طبقة راقية إلا أنه بقي محتفظا بذهنية الفقير المعدم...فقد كان يطلب أي شيء من أي نادل يمر أمامه كما كان يكرر الأسئلة التافهة نفسها مرات عديدة...بدأ المطعم يعج بالزبائن و لكن أحدا منهم لم يرق يوهان...كان يبحث عن هدف معين و كأنه يعرفه مسبقا...و لم تفلح إبتسامات الغانيات اللواتي كن متواجدات بقوة في التأثير عليه ... كان يبادلهن الإبتسامات بتحفظ كبير...و بعد مرور ساعة و نصف ظهر هناك رجل طويل القامة و قد أشعل السيب فروة رأسه...كان الوقار يبدوا عليه بوضوح...كما أن الثراء مفترض فيه لأن موضع اليد من العصا التي كان يستند عليها كان من الذهب الخالص...إن الوقار و الذكاء اللذان كانا يبدوان في شخص هذا المسن لا يجتمعان مع سلوك المقامر الغبي الذي قد ينفق كل ثروته في ليلة واحدة...و من هنا فقد اعتقد يوهان بأن الشيخ الوقور جاء للمطعم لتناول وجبة العشاء فقط...و سيعود لمنزله...و لن تطأ قدماه الملهى المجاور للمطعم...و مع هذا ظل يراقبه !
تناول الرجل المسن طبقا فاخرا من السمك...كان يأكل بهدوء شديد...و سرعان ما خفق قلب يوهان لما رأى ساعة العجوز الذهبية التي ظهرت فجأت من تحت قميصه...للحظة اعتقد يوهان بأن الخروج بساعة ثمينة اليوم ليس أمرا سيئا...و لكنه تراجع و استحظر الهدف الذي جاء من أجله...نهض العجوز الوقور من مقعده أخيرا...دفع الثمن و خرج...و هنا تبعه يوهان...لقد دخل الملهى فعلا ، كان على يوهان أن يدفع ورقة نقدية عالية القيمة للنادل المكلف بفتح الباب للزبائن...كنوع من التظاهر بالثراء...جلس العجوز أخيرا إلى طاولة كبيرة و قد اجتمع عليها أشخاص آخرون في مثل عمره تقريبا ، لقد سمع يوهان إسمه أخيرا إنه السيد ( ماكسيميليان )...يحتاج يوهان الآن إلى تقنية بارعة من تقنيات صناعة الصدفة... حركة خفيفة و لكنها مدروسة لا تدوم إلا بضع ثوان تكون كافية لخلق شيء من الثقة...و التي من خلالها سيدعو السيد ( ماكسيميليان ) يوهان للجلوس بجنبه إلى الطاولة ، بدأ السيد ( ماكسيميليان ) في اللعب و بقي يوهان يراقبه عن قرب و هو يبحث عن منفذ...كان يعلم علم اليقين بأن الوقت ليس في صالحه فقد بدأت الكؤوس في الدوران...و مع الوقت سيسكر السيد ( ماكسيميليان ) حتما و لن يتمكن يوهان من الدنو منه لأن أحد العاملين في الملهى سيوصله لسيارته التي ركنها بالجوار ثم يتمنى له ليلة هادئة !
و فجأة بدأ أحد الجالسين على الطاولة بالسعال...لقد انتظر يوهان هذه اللحظة طويلا...لقد أسرع إلى المكان الذي توزع منه المشروبات و أحظر كأسين من الماء البارد...و قدم بدوره الكأس الأول للعجوز الذي كان يعاني من نوبة سعال شديدة...ثم اقترب باحترام شديد من السيد ( ماكسيميليان )...و قال : هل تريد شيئا من الماء سيد ( ماكسيميليان ) ؟ و كرد فعل طبيعي تعجب العجوز من كون الشاب قد ناداه باسمه مع أنه لم يكن نادلا بالملهى...و لكنه أحجم عن سؤاله عن ذالك و رد قائلا : لا شكرا يا بني! ...و من حسن حظ يوهان أن نوبة العجوز تفاقمت مما اضطره إلى مغادرة الملهى و هنا قام السيد ( ماكسيميليان ) بدعوة يوهان إلى الجلوس مكانه قائلا : أتجيد اللعب يا بني ؟
فأجاب يوهان بالنفي و لكنه أردف قائلا : من دواعي سروري الجلوس بجانب السيد ( ماكسيميليان ) ...هذا شرف عظيم لي إن أنت تفضلت بمنحه إياي...
لقد أعجب العجوز بلباقة يوهان و ابتسم...كان السيد ( ماكسيميليان ) يغتنم فرصة توزيع أوراق اللعب لسؤال يوهان عن شيء ما يخصه...إدعى يوهان بأنه سمسار...كما زعم بأنه سمع عن السيد ( ماكسيميليان ) كثيرا من الأشخاص الذين يقصدونه عادة في إطار عمله...لقد أدرك يوهان بأنه قاب قوسين من الوصول لمبتغاه...و لذالك قاوم بصعوبة رغبته في سرقة بعض الذين كانوا جالسين مع السيد ( ماكسيميليان )...كانت الأشياء الصغيرة التي كانوا يحملونها ثمينة جدا...ولاعات سجائر...ساعات أيدي...خواتم ذهبية!!!
بعد سهرة طويلة...قرر السيد ( ماكسيميليان ) المغادرة...لقد أنفق الكثير...و شرب الكثير أيضا...حاول يوهان أن يظهر بأنه مرافق الرجل العجوز و لهذا لم يجد النادل ضرورة لمرافقته إلى باب السيارة...و عند وصوله سأله يوهان إن كان بإمكانه القيادة فأجاب السيد ( ماكسيميليان ) بأنه يستطيع القيادة حتى و هو نائم! و هنا ترجاه يوهان بأن يسمح له بقيادة السيارة و إيصاله لمنزله...و أمام هذا الإلحاح وافق السيد العجوز على ذالك...و تحقق ليوهان ما كان يريد في تلك السهرة التي شعر بأنها طويلة جدا... تعرف إلى رجل غني و هو بصدد توثيق علاقة صداقة معه...كما توصل لمعرفة عنوانه و هذا ما جعل يوهان يطير فرحا...
يتبع...دمتم بخير

2 التعليقات:

ليلى يقول...

لازلت أتابع
في انتظار البقيه

*مررت من هنا*

يوسف يقول...

السلام عليكم
مرحبا ليلى.....
سعيد جدا بمرورك بمدونتي أرجوا أن تنال بقية القصة إعجابك...
شكرا جزيلا